التجار جشعون في كل دول العالم، لذلك يتمّ سن القوانين. إلا أن قانون المستهلك الذي أقرّته الحكومة اللبنانية في عام 2005، لا يزال بلا تطبيق. أما قانون سلامة الغذاء فلا يزال منذ عام 2006 «يكزدر» بين مجلسي النواب والوزراء. وفي هذه الأثناء، تجتاح المواد الفاسدة «المزابل»!
رشا أبو زكي«إحنا سيبونا نموت باللحمة وانتو تعيشوا وتاكلوا الفول»، لم يكن الشاعر احمد فؤاد نجم يقصد حرفياً هذه العبارة التي أوردها في قصيدة «الفول واللحمة». كان نجم يطالب بأن تصبح اللحمة على مائدة الفقراء أسوة بالأغنياء. تهكماً، دعا المسؤولين الذين يتحدثون عن فوائد الفول ومضار اللحمة الى الالتزام بأقوالهم. ترى، هل قرأ أحد المسؤولين عن الأمن الغذائي في لبنان عبارة نجم فصدّقها، ليقرر بعد تفكير وتمحيص فتح السوق اللبنانية لحصّادي الأرواح؟ فقد رسمت المواد الغذائية الفاسدة خريطة جديدة للبنان.
في المطاعم، في الفنادق، في مكبات النفايات. في الشمال، في الجنوب، في بيروت وضواحيها. اللحمة الفاسدة في كل مكان، السمك الفاسد في كل مكان، المواد الغذائية الفاسدة اكثر من البشر! فهل من حلول؟ حتى الآن، رغم التطمينات الحكومية الأشبه بالمخدرات، ليس أمام اللبنانيين إلا الصيام أو الاستسلام للقدر في بلد أصبح أشبه بوطن للفساد، أو بلد للإبادة الجماعية عن طريق الأكل. والغريب أن تستفيق الأجهزة كلها، ويستنفر رئيس الجمهورية مع مجلس الوزراء بعناصره ورئيسه، ومعه مجلس النواب بعناصره ورئيسه، والجهاز القضائي كله، على «اللحمة». غريب، وخصوصاً أن كل الأطراف الحكومية والنيابية لم تأت حديثاً الى الحكم، فهي جاثمة على قلوب اللبنانيين، أو وضعها اللبنانيون على قلوبهم منذ سنوات. ففي نهاية الأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة حالة تأهب نادرة في سبيل التصدي للحوم الفاسدة. لملمت أطرافها في لجنة وزارية ضمت الوزراء المعنيين بالملف. خرج الوزراء من اجتماعهم الأول رافعين رايات الثورة على الفساد. بنود كثيرة طرحوها لمعالجة الأزمة من جذورها، الا أن أحداً لم يأت على ذكر قوانين صادرة لحماية المستهلك، في حين أنهم (الوزراء انفسهم) يعملون بجهد على عدم تطبيقها! فقد صدر في العام 2005 قانون المستهلك. ومنذ 7 سنوات حتى اليوم، لم يرفع اي وزير للإقتصاد ومنهم الوزير الحالي نقولا نحاس، الى الحكومة، المراسيم التطبيقية اللازمة لتطبيق القانون، كي يصار الى اقرارها. نسأل نحاس عن السبب، فيستغرب وجود قانون للمستهلك. يستدرك الوزير، فيقول: «حتى من دون المراسيم التطبيقية، نحن نطبق جزءاً كبيراً من القانون». جزء كبير؟ نسأل عن مصير محكمة المستهلك الموجودة في البند 97 من قانون المستهلك، فيقرر احالتنا على رئيس مديرية حماية المستهلك فؤاد فليفل. نتصل بالأخير، نرسل له الأسئلة بالفاكس (بناء على طلبه). فإذا بفليفل يختفي، بلا اجابات! يؤكد المحامي محمد درويش الذي يتابع قضايا حماية المستهلك أن وزارة الاقتصاد لا تطبق قانون المستهلك، وهي لم تعمل حتى اليوم على اصدار مراسيم تطبيقية له. يشرح ان المادة 97 من القانون تشير الى تشكيل «لجنة حل النزاعات» او ما يُعرف بمحكمة المستهلك. هذه المحكمة تقدم تسهيلات كبيرة للمستهلكين الذين يريدون رفع دعاوى على تجار فاسدين. مثلاً تمكّن المستهلك من المرافعة المجانية امامها في القضايا التي تفوق كلفتها الـ 3 ملايين ليرة، اما التي تقل عن هذه الكلفة فيتم حلها من خلال الوساطة. كما توفر عن المستهلك تكليف محامين وتكبد مصاريفهم. وقد تم تشكيل هذه المحكمة من القاضية كارلا قسيس وممثل عن المستهلكين وممثل عن التجار. الا أن هذه المحكمة لم تباشر حتى اليوم عملها. السبب؟ عدم تعيين كاتب للمحكمة! تشير المادة 60 من قانون المستهلك الى تأليف ما يسمى «المجلس الوطني لحماية المستهلك»، الذي يقوم بدور استشاري وتنسيقي وتنظيمي بين مختلف الادارات والوزارات المعنية. تم تأليف المجلس من مديرين عامين في وزارات: الصحة، الزراعة، الاقتصاد، البيئة، الصناعة، السياحة، الاتصالات، الاعلام، التربية، رئيس مجلس ادارة مؤسسة المقاييس والمواصفات، ممثلين اثنين عن اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة، ممثل عن الصناعيين، ممثل عن نقابة وكالات شركات الدعاية والاعلان وممثلين اثنين عن جمعيات المستهلك، على أن يترأس المجلس وزير الاقتصاد. الا ان المجلس لم يعقد منذ سنوات اي جلسة تذكر. حتى العقوبات في قانون المستهلك اشد من العقوبات الحالية. اذ ان فضيحة الغرامات التي أُعلنت أخيراً والتي تصل الى 500 الف ليرة لبعض المخالفين لا علاقة لها بنصوص قانون المستهلك. المسألة تعدى تعطيل القوانين، اذ تشرح المسؤولة عن ملف الغذاء في جمعية المستهلك ندى طعمة ان الحكومة أصدرت منذ أشهر مرسوماً بناء على طلب وزير الاقتصاد يضيّق على جمعيات المستهلك ويجعلها تحت سيطرته. تلفت الى وجود بنود في المرسوم تعطي الحق لوزير الاقتصاد بان يحل جمعيات حماية المستهلك. كما يحق له توزيع نسب من الغرامات المالية «بحسب ما يراه مناسباً»، وهي محاولة لاخضاع الجمعيات مالياً. نتجه الى وزير الزراعة حسين الحاج حسن: «أين قانون سلامة الغذاء الذي سحب من مجلس النواب لإجراء تعديلات عليه؟» يجيب الحاج حسن أن اللجنة الوزراية تقوم باجراء التعديلات اللازمة، رافضاً تحديد موعد دقيق لانهاء هذه التعديلات. يعتبر أن الفوضى القائمة ناتجة من غياب الرقابة منذ 20 عاماً. يقول: «مواضيع الفساد صحيحة، ولكن لا اعرف احداً دخل الى المستشفى بسبب التسمم». يستنتج ان هناك تضخيماً للأزمة! يشرح درويش ان الحاج حسن اعتبر ان الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء (التي ينص قانون سلامة الغذاء على تشكيلها) تتمتع بالصلاحيات ذاتها التي تحظى بها وزارة الزراعة، وبالتالي سحب الوزير مشروع القانون من مجلس النواب (أحالته الحكومة على المجلس في العام 2006)، لتعديله، الا أنه حتى الآن لم يتم انهاء هذه التعديلات... يشدد درويش على أن تطبيق القوانين المتعلقة بالمستهلك هو اجراء رادع للفساد في المواد الغذائية، والردع مطلوب بحزم، فما يحصل في لبنان هو جريمة قتل عن قصد.
ذعر استهلاكي = هزة اقتصاديةالأمن الغذائي مهزوز. المواطنون في حالة هلع حقيقي. آثار ملف اللحوم والمواد الفاسدة بدأت تضرب القطاعات الاقتصادية
الأمن الغذائي في لبنان ليس بخير. صحة اللبنانيين كذلك. تتردد عبارة «تضخيم» أكثر من مرة على أفواه التجار والمسؤولين. يلقي البعض (ومنهم وزراء) اللوم على وسائل الاعلام. أفضل ما يمكن أن يستخلصه التاجر هو «بكائية» مفادها أن حالة الذعر الشعبي من اللحوم ستضرب القطاع السياحي. إلا أن الصورة ليست نمطية هذه المرة. ليست عملية الكشف عن المواد الفاسدة هي العلة، بل وجود هذه المواد بكثرة في السوق اللبنانية. واستمرار وجود أطنان من المواد الغذائية والحيوانية غير الصالحة للاستهلاك البشري أو المتلاعب بتاريخ صلاحيتها، وعدم القيام بإجراءات رادعة وصارمة، لن يؤثر على السياحة وحدها، بل على الدورة الاقتصادية الكاملة في لبنان: من زراعة، صناعة، تجارة، سياحة... والأهم ضرب ثقة المستهلك اللبناني بالمنتج الموجود في السوق، مستورداً كان أو محلياً، وانخفاض القدرة الشرائية نتيجة البحث عن البدائل الغذائية أو زيادة الإنفاق على الصحة في حالة استهلاك المواد الفاسدة... لذلك يرى البعض أن إعلان حالة طوارئ جدية من قبل الحكومة اللبنانية، وبدء الاجراءات التنفيذية لردع المخالفات، يمثّلان الحل المناسب لاستعادة الثقة المفقودة بين المستهلك والمنتج أو المستورد. اذ تتلقى جمعية المستهلك يومياً بين 30 الى 50 اتصالاً للاستفسار عن المطاعم والمحال والسوبرماركت الموثوقة. بعض الاتصالات يطلب مساعدة في آلية الكشف على المواد. الحاجة الى التوعية تعاظمت، وخفتت الحملات الرسمية لتلبية هذه الحاجة. تقول اختصاصية الصناعات الغذائية والمسؤولة عن ملف الاغذية في جمعية المستهلك ندى طعمة أن الخوف الحاصل في الشارع اللبناني من اللحوم والمواد الغذائية الأخرى تحول الى وسواس. المواطنون فقدوا الثقة بالمنتجات المعروضة في الاسواق. الإيجابي في هذا الموضوع هو عدم قدرة المؤسسات الرقابية على التراجع عن المستوى الرقابي الذي بدأته منذ أسابيع. السلبي هو تضرر المؤسسات الجيدة نتيجة السمعة السيئة التي ضربت السوق. الأداء نفسه لا يزال مستمراً. الخوف من الطعام انعكس تراجعاً في عمل المطاعم بنسبة 20 في المئة، هذا ما يؤكده رئيس اتحاد نقابات المؤسسات السياحية بيار أشقر، إذ تحاول المطاعم الكبرى طمأنة الزبائن، بحيث أعلنت فتح أبواب مطابخها أمام الرقابة، كما قامت برقابة ذاتية على المواد التي تستخدمها. وعلى الرغم من أن اللوائح الرسمية للمحاضر التي نظمت بحق المطاعم والمؤسسات تشير الى أن معظمها موجود في بيروت، يرى الأشقر أن 90 في المئة من المطاعم التي تقدم مواد غذائية فاسدة هي خارج بيروت، شارحاً أن 30 في المئة من المؤسسات السياحية غير مرخصة، وواجبات الدولة أن تلاحق هذا الموضوع، وتفرض التراخيص السياحية على الجميع. التأثيرات امتدت الى القطاع التجاري، فمن المؤكد أن الحركة التجارية قد تراجعت بنسبة ملحوظة خلال الاسابيع الماضية. إنها حالة هلع، يردد رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، والحالة تتزايد مع إطلاق الاحكام التعميمية، ما جعل المواطنين في حالة شك وعدم قدرة على التمييز بين المؤسسات الفاسدة وتلك التي تتبع المعايير الصحية اللازمة. أما حركة الاستيراد، فستشهد تراجعاً في الاشهر المقبلة، وقد تظهر نسبها في مطلع نيسان المقبل. الأكيد أنه «يوجد انخفاض كبير في حركة الاستهلاك، وخصوصاً في المنتجات الحيوانية». يشرح رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية عادل أبي شاكر عن دورة السلعة المستوردة. عند وصولها الى المرفأ أو النقطة الحدودية، ترسل عينات من البضاعة الى المختبر التابع لوزارة الزراعة لتحليلها، ومن ثم تخضع للكشوفات الجمركية اللازمة، لتدخل في ما بعد الى السوق. يرى أبي شاكر أن المواد فسدت في لبنان، وبالتالي لا علاقة للمستوردين بما يحصل. المسؤولية تقع على التجار من خلال إجراءات الحفظ والنظافة والتخزين. يذهب أكثر، فيرى أن سعي عدد من التجار الى احتكار الأسواق يعزز من ازدياد الفساد في المواد الغذائية، بحيث يسعى التاجر الى استيراد كميات كبيرة من المواد لإغراق السوق.ر. أ.
تأثيرات أكيدة
التأثير الأساسي سيكون على المدى القريب، وفق رئيس مؤسسة البحوث والدراسات كمال حمدان، وهو يتمثل في تراجع استهلاك المواد التي يتبيّن أنها فاسدة. وقد يعزز هذا التأثير توجه الاستهلاك نحو سلع بديلة، لكن من المؤكد أن الطلب الاستهلاكي سينخفض خلال الفترة المقبلة. هذا الواقع سيمتد الى المؤسسات الانتاجية والخدمية، لأن رد فعل المواطنين يتصف بالحدة في مواجهة هذه الخضات. حالة الخوف قد تستمر لفترة وجيزة، في حال استعاد الناس ثقتهم بالسوق، ولذلك ارتباط شديد بالاجراءات الرسمية الفاعلة، وتلمّس اقتصاص العدالة من المخالفين. أما إذا جرى التعاطي مع الموضوع بخفّة، فإن حالة الذعر الاستهلاكي ستستمر لفترة أطول.
الثلاثاء ٢٠ آذار ٢٠١٢